أحمد بن علي القلقشندي

95

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الذهب في العام ، ضريبة ألزمهم الطاغية أداءها في عقد مصالحته أيّ إلزام ، فسمناه تركها وإسقاطها ، وألزمناه فيما عقدناه له من السّلم أن يدع اشتراطها ، والحمد للَّه الذي أعزّ بنا دين الإسلام ، وأذلّ رقاب عبدة الأصنام ، وقد اعتنينا بتحصين حصن هذا الجبل تتميما لها وتكميلا ، وابتدأنا من تحصين أسواره وأبراجه بما يغدو على جبينه تاجا وإكليلا . وكنا في هذه المدة التي جرت بها هذه الأحوال ، وعرت فيها هذه الأهواء والأهوال ، منازلين أخانا الممتنع « بسجلماسة » ( 1 ) من بعض بلاد القبلة ، ومحاولين من إزاحة ضرّه ، والإراحة من شرّه ، ما فيه الصلاح والفلاح على التفصيل والجملة ، لعثايته في الفساد ، ودعايته إلى العناد ، ومعاضدته صاحب « تلمسان » ، ومساعدته على البغي والعدوان ، فسهّل اللَّه افتتاحها ، وعجّل من صنائعه الجميلة منها مباحها ، وذلك بعد تسليم جبل الفتح بثلاثة أشهر ونصف ، ويسّر اللَّه تعالى في ذلك من بدائع الصنائع ما يقصر عنه كلّ نعت ووصف . وفي خلال تلكم المنازلة ، وحال تلكم المحاولة ، لاحت للخائن التّلمسانيّ فرصة ، جرّع منها غصّة ، إذ ظنّ أنّا عنه مشغولون ، وفي أمر ما عرض من سجلماسة وجبل الفتح معتملون ، فخرج من بلده على حين غفلة بالعزيمة والجدّ ، إلى حصن ماوربرت ( 2 ) الذي هو بين بلاده وبلادنا كالحدّ ، فوجد هنالك ولدنا الأسعد تاشفين ، في ثلَّة من بني مرين ، آساد العرين ، فلما نذروا به ثاروا إليه مسرعين ، فنكص على عقبه ولم ير له جنّة أوقى من هربه ، وعاد لذلك ثانية ، فلم تكن عساكرنا عن طرده وانية ، بل ردّته في الحافرة ، وأنشدته بلسان حالها الساخرة ( سريع ) . إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضره

--> ( 1 ) سجلماسة : بكسر أوله وثانيه ، وسكون اللام ، وبعد الألف سين مهملة : مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان ، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب . يمرّ بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين ونخيلا مدّ البصر . أكثر أقوات أهلها من التمر ، ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف . معجم البلدان ( ج 3 ص 192 ) . ( 2 ) كذا في الأصل بإهمال الحروف ولعله مصحف عن بنزرت . حاشية الطبعة الأميرية .